الجصاص

48

الفصول في الأصول

فأما القسم الثاني من قسمي التواتر وهو : ما يعلم بالاستدلال : فإن أبا الحسن رحمه الله ، كان يحكي عن أبي يوسف : أن نسخ القرآن بالسنة إنما يجوز بالخبر المتواتر ، الذي يوجب العلم ، كخبر المسح على الخفين ، ( 1 ) فهذا الذي ذكره من قوله يدل على أنه كان يرى : أن من الأخبار المتواترة ما يعلم صحتها بالاستدلال ، لأن هذه صفة المسح على الخفين ، إذ لا يمكن أحد أن يدعي في ثبوته وصحته علم اضطرار . وقد حكينا عن عيسى بن أبان رحمه الله في صدر هذا الباب : أن الخبر المتواتر عنده هو الذي يوجب علم الضرورة ، وأنه لم يجعل ما ليست هذه منزلته من خبر التواتر . قال أبو بكر رحمه الله : ومن نظائر المسح على الخفين من الأخبار : ما روى عن النبي عليه السلام : في تحريم التفاضل في الأصناف السنة ، وما روى عنه عليه السلام : من إباحته متعة النساء ، ثم حظرها بعد الإباحة ، ومثله أخبار الرجم ، وأشباه ذلك من الأخبار التي نقلها عن النبي عليه السلام جماعة يمتنع في مثلهم وقوع التواطؤ عليه ، أو وقوع السهو والغلط فيه ، فنعلم بتأملنا حالها أنها صحيحة ، ولا توجب العلم الضروري ، لأنا لم نتأمل حال هذه الأخبار ، ولم نستدل على صحتها ، لما وقع لنا العلم بخبرها ، وقد كان ابن عباس يجيز التفاضل في الأصناف الستة ، ويعارض هذا الخبر بخبر أسامة بن زيد : عن النبي عليه السلام أنه قال : ( لا ربا إلا في النسيئة ) ثم لما تأمل حاله وتواتر عنده الخبر به نزل عن قوله ، ورجع إلى ترحيم التفاضل فيها . وقد قال عيسى في كتابه ( في الرد ) ( 2 ) على المريسي لا يخلو الحديث من ثلاثة أوجه يضل تاركة ، ويأثم ، ويشهد عليه بالبدعة ، والخطأ . وذلك مثل الرجم يرده قوم بقوله تعالى : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) ( 3 ) قالوا : لأنه لم يتواتر به الخبر كما تواتر بالصلاة والصيام ، ولا يكفرون لأنهم لم يردوا على الله ولا على رسوله ، وإنما خالفوا الناقلين ، فأخطأوا في التأويل ، وعارضوا بظاهر الكتاب . قال : والوجه الثاني : مثل خبر الصرف ، وخبر المسح على الخفين ، يخطئ مخالفة ،